عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

98

اللباب في علوم الكتاب

والثاني : أنّه مثل قوله تبارك وتعالى : وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [ الأنعام : 151 ] ، والمعنى : لا تقدموا على إيذاء النّاس بالقتل والقهر ، إلا أن يكون لكم فيه حق فحينئذ يخرج عن أن يكون بغيا . قوله : « وَأَنْ تُشْرِكُوا » منصوب المحلّ نسقا على مفعول « حرّم » أي : وحرّم إشراككم عليكم ، ومفعول الإشراك ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وقد تقدّم بيانه في « الأنعام » ، تهكّم بهم ؛ لأنّه لا يجوز أن ينزل برهانا أن يشرك به غيره . قوله : وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ نسق على ما قبله أي : وحرّم قولكم عليه من غير علم ، وقد تقدّم الكلام عليه في هذه السّورة عند قوله إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ . فإن قيل : كلمة « إنّما » تفيد الحصر ، إنّما حرّم ربي كذا وكذا يفيد الحصر ، والمحرمات غير محصورة في هذه الأشياء ؟ فالجواب : إن قلنا إن الفاحشة محمولة على مطلق الكبائر ، والإثم على مطلق الذنب دخل كلّ الذّنوب فيه ، وإن حملنا الفاحشة على الزّنا ، والإثم على الخمر فنقول : الجنايات محصورة في خمسة : أحدها : الجنايات على الإنسانيّة ، فهذا إنّما يحصل بالزّنا ، وهو المراد بقوله : إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ . وثانيها : الجنايات على العقول ، وهي شرب الخمر ، وإليه الإشارة بقوله « والإثم » . وثالثها ورابعها : الجنايات على النّفوس والأموال ، وإليه الإشارة بقوله : وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ . وخامسها : الجناية على الأديان ، وهي من وجهين : أحدهما : الطّعن في توحيد اللّه تبارك وتعالى . والثاني : الطعن في أحكامه ، وإليه الإشارة بقوله : وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ . فلما كانت الجنايات هذه الأشياء ، وكانت البواقي كالفروع والتّوابع ، لا جرم كان ذكرها جار مجرى ذكر الكلّ ، فأدخل فيها كلمة « إنّما » المفيدة للحصر . فإن قيل : الفاحشة والإثم هو الذي نهى اللّه تعالى عنه فصار تقدير الآية الكريمة : إنّما حرّم ربي المحرمات ، وهو كلام خال عن الفائدة ؟ فالجواب : كون الفعل فاحشة إنّما هو عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها يجب النّهي عنه فسقط السّؤال « 1 » .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 56 .